أبي منصور الماتريدي
297
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - عن الإسلام ، وفيه « وتحج البيت وتعتمر » إلى غير ما ذكر من أدلة . فسبب الخلاف في هذا هو تعارض الآثار في هذا الباب وتردد الأمر بالتمام بين أن يقتضي الوجوب أم لا يقتضيه . قال الفخر الرازي : قوله تعالى : وَأَتِمُّوا أمر بالإتمام ، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه ، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق ، والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام ، والقول الثاني - وهو قول أبي حنيفة - : إن هذا الأمر مشروط ، والمعنى : أن من شرع فيه فليتمه قالوا : ومن الجائز ألا يكون الدخول في الشيء واجبا ، إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجبا ، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند الشافعية ، وغير واجبة عند أبي حنيفة . وحجة الشافعية : أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملا تامّا ، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه ، وإذا ثبت الاحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك ، أما بيان الاحتمال فيدل عليه قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [ البقرة : 124 ] أي فعلهن على سبيل التمام والكمال ، وقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] ، أي فافعلوا الصيام تامّا إلى الليل ، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال : المراد فاشرعوا في الصيام ثم أتموه ؛ لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه وهو أولى ويدل عليه وجوه : ( 1 ) الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما ، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب ، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة ، فكان حمل كلام الله عليه أولى . ( 2 ) أن الباب باب عبادة فكان الاحتياط فيه أولى ، والقول بإيجاب الحجة والعمرة معا أقرب إلى الاحتياط فوجب حمل اللفظ عليه . ( 3 ) هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام ، لكنا نقول : اللفظ دل على وجوب الإتمام جزما ، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجبا جزما والإتمام مسبوق بالشروع ، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ؛ فيلزم أن يكون الشروع واجبا في الحج والعمرة . ( 4 ) روي عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله أي أن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية . فكان كقوله تعالى : فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ الحج : 78 ] فهذا تمام تقرير هذه الحجة . وقال الشافعي - رضي الله عنه - : اعتمر النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل الحج ، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب . وحجة من قال : العمرة ليست واجبة وجوه ، منها : قصد الأعرابي الذي سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن أركان الإسلام ، وحديث بني الإسلام على خمس ، وغير ذلك ، ولم يذكر فيها العمرة ، فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها . وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال : « لا وأن تعتمر خير لك » . وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الحج جهاد والعمرة تطوع » . والجواب من وجوه أحدها : أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن . وثانيها : لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم تلك الأحاديث ، ثم نزل بعدها قوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة : 196 ] وهذا هو الأقرب ؛ لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة . وثالثها : أن قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان تفصيل الحج ، وقد قلنا : إن العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر ، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة ، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا : رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف . -